ابن هشام الأنصاري
273
شرح قطر الندى وبل الصدى
القوم إلّا حمارا » ، ومنه في أحد القولين « 1 » قوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ « 2 » . فلو كانت المسألة بحالها ، ولكنّ الكلام السابق غير موجب ؛ فلا يخلو : إما أن يكون الاستثناء متصلا ، أو منقطعا . فإن كان متصلا جاز في المستثنى وجهان : أحدهما : أن يجعل تابعا للمستثنى منه ، على أنه بدل منه بدل بعض من كل عند البصريين ، أو عطف نسق عند الكوفيين « 3 » .
--> - « قليل » وذلك يدل على أن المستثنى من كلام تام موجب يجوز فيه وجهان كما يجوز في المستثنى من كلام منفي ؟ فالجواب : أن نقرر لك أن المستثنى من كلام تام موجب لا يجوز فيه إلا وجه واحد وهو النصب ، وأما هذه القراءة فإنها محمولة على أن الكلام السابق منفي ، وكأن القارئ قدر الكلام : فلم يكونوا مني إلا قليل منهم ، لأنه وجد قبل هذا الاستثناء قوله تعالى : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي . ( 1 ) اختلف العلماء في إبليس لعنه اللّه : أهو من جنس الملائكة أم من جنس آخر ؟ فذهب قوم إلى أنه من جنس الملائكة ، واستدلوا على ذلك بشيئين ؛ الأول : أحاديث وردت في هذا المعنى تدل عندهم على أنه من جنسهم ، والثاني : استثناؤه من الملائكة في كثير من آيات الكتاب العزيز ، والأصل في الاستثناء أن يكون متصلا بأن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، وذهب قوم آخرون إلى أن إبليس ليس من جنس الملائكة ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى من الآية 5 من سورة الكهف : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وردوا الأحاديث التي استند إليها الفريق الأول أو دلالتها ، وردوا دعواهم أن استثناءه من الملائكة يدل على أنه من جنسهم ، وذلك لأن الاستثناء المنقطع وارد في العربية ، ومنه قول النابغة الذبياني : يا دار ميّة بالعلياء فالسّند * أقوت وطال عليها سالف الأمد وقفت فيها أصيلا كي أسائلها * عيّت جوابا ، وما بالرّبع من أحد إلا الأواريّ لأيا ما أبيّنها * والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد فإنه استثنى الأواري من أحد ، وحملت عليه آيات كثيرة من القرآن ، مثل قوله تعالى من الآية 157 من سورة النساء : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وقوله جلّ شأنه من الآيتين 43 ، 44 من سورة يس : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ، إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وإذ قد ورد ذلك في الشعر العربي الموثوق به وفي عدد وافر من الآيات لم يجز إنكاره ، وإذا علمت هذا الكلام سهل عليك معرفة قول الشارح « أحد القولين » فإنه يريد أن من ذهب من العلماء إلى أن إبليس ليس من جنس الملائكة جعل الاستثناء في الآية منقطعا ، ومن ذهب إلى أنه من جنسهم جعل الاستثناء متصلا ، والاستشهاد بالآية - هنا - على المذهب الأول . ( 2 ) من الآيتين 30 ، 31 من سورة الحجر . ( 3 ) جعل الكوفيون « إلا » حرف عطف بمنزلة « لا » فإذا قلت « ما قام القوم إلا زيد » فزيد معطوف على القوم يعرب بإعرابه ، ولكنه في الحكم - من حيث المعنى - على خلاف ما قبله ، وكأنك قلت « ما قام القوم لا زيد » فزيد بعد -